ساسي سالم الحاج

176

نقد الخطاب الاستشراقي

ولما سألهم أحدهم عمّا يبايعون الرسول قالوا : نعم ، قال لهم : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون إنكم إذا هلكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتلا أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو واللّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة . . . إلخ وكان جواب القوم عنه : « إنّا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف . . . الخ » « 1 » وهكذا فإن معنى الكلام السابق هو مبايعة الرسول على أمر الحرب سواء أكانت دفاعية أم هجومية . ومنها : أن سبب اشتراك المهاجرين في المعارك الأولى ضد قريش لأنهم موتورون من قبلها . فقد اضطهدهم قومهم ونكّلوا بهم ، وساموهم سوء العذاب ، ثم طردوهم من ديارهم ، واستولوا على أموالهم وممتلكاتهم . وهذه الأمور مجتمعة أدّت بالمهاجرين إلى الترصّد إلى القوافل التجارية القرشية علّهم بهجومهم عليها يستردّون جزءا من أملاكهم المفقودة ، ويثأرون للظلم والاضطهاد الذي حاق بهم . ولكن بعد أن اتسع نطاق العمليات الحربية ، وبعد أن فرضت الحرب على المسلمين وأصبح الجهاد ركنا أساسيّا من أركان الدين اشترك المهاجرون والأنصار في جميع العمليات العسكرية التي دارت رحاها بين المسلمين وأعدائهم . ومنها أن السرايا العسكرية الإسلامية التي بدأت حملاتها ضد القوافل القرشية بعد ستة أشهر من مهاجر الرسول إلى المدينة وما يحيط بها من أخبار عن تشكيلاتها وزعمائها ونتائج أعمالها تؤدي إلى الشك في صحتها وتقود بالتالي إلى افتراضات ربما تكون صادقة منها : إن الغرض من هذه السرايا لم يكن القتال الفعلي الحقيقي بدليل عودة حمزة بدون قتال . ولكن ربما كان هدفها إفهام قريش أنها مهددة في تجارتها وطرق مواصلاتها وضرب حصار اقتصادي عسكري عليها يؤدي بها عاجلا أو آجلا إلى التفاهم مع المسلمين لتكفل لهم حرية الدعوة إلى الدين ولأهل مكة سلامة تجارتهم إلى الشمال . ولم تكن هذه المفاهيم ممكنة ما لم تقدر قريش قوة المهاجرين من أبنائها على الإيقاع بها وإيصاد طرق التجارة في وجهها « 2 » . ومنها : أن قصد الرسول من وراء تجريد هذه السرايا ربما لإرهاب اليهود ، المقيمين معه في المدينة ، وقد حاول هؤلاء القوم التفاهم معه بغية ضمه إلى صفوفهم ، ولكن لما رأوه مستقلا في عباداته ومعاملاته ، وأخذ شأنه يسمو ويرتفع ناصبوه العداء ، وقاتلوه بالسيف والقلم ، وقد كان الرسول على علم بدواخل نفوسهم ، فأراد أن يزرع

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 446 . ( 2 ) محمد حسنين هيكل ، حياة محمد ، المرجع السابق ، ص 246 .